البحث عن مرآة تُنقذ الشعوب السورية


د.عبدالوهاب احمد

لم يعد بخافٍ على كل ذي بصيرة، أن حجم التأثير والتدخل الدولي – الإقليمي في الأزمة السورية، سواءً بشكلهِ العلني؛ عبر تدخلات عسكرية مباشرة( روسية، أمريكة، تركية، إيرانية …)، أو غير مباشرة؛ من خلال دعمها لأطرافٍ وكيانات سياسية سورية، بهدف زيادة حجم نفوذها محلياً، وتعزيز مصالحها استراتيجياً في سوريا المستقبلية، زادتْ من مستوى التعقيد والتشابك لخيوط الحل النهائية للأزمة وفق مسار جنيف، وقرار مجلس الأمن 2254 الذي انبثق اصلا من رحم التفاهمات والتوافقات بين جميع الأطراف المعنية بالأزمة السورية( الداخلية، والإقليمية، والدولية).
لأسباب دولية آنفة الذكر، إلى جانب استمرار تهرّب نظام بشار الأسد وحلفائه من الإلتزام بتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ووضعه العراقيل أمام سير عمل اللجنة الدستورية، وعدم تسهيل المهمة الوظيفية للسيد، غير بيدرسون، المبعوث الأممي الخاص بالأزمة السورية ، وشبه فشل لمعظم الكتل والأحلاف السياسية السورية المعارضة التي قدمت نفسها كممثل لكافة السوريين، والدفاع عن قضاياهم وحقوقهم، وحمايتهم من الإرهاب الخارجي والداخلي دون تميزٍ حسب العرقْ، أو الدين، أو المنطقة التي يعيشون فيها، ونقضت بعض الأطر المعارضة للمواثيق المشتركة مع حلفائها، عندما عجزت في عزل نفسها من مجموعات مرتزقة تدّعي أنها سورية، وخرجت لنصرة الثورة! ، ارتكبت وما تزال، انتهاكات لا إنسانية جسيمة بحق أبناء شعبٍ كانوا أولى السبّاقين و المشاركين في ثورة الحرية والكرامة. في ظل كل هذه التعقيدات في المشهد السياسي السوري، وتداعيات إطالة الأزمة إنسانياً واجتماعياً وسياسياً على مختلف مكونات الشعب السوري بعربهِ، وكُردهِ، وآشوريه والسريان، وباقي المكونات المؤسسة للحضارة والثقافة السورية، والمشاركة في تأسيس الجمهورية السورية الحديثة بعد الاستقلال، فإن البحث، أو تأسيس تحالفات سياسية جديدة، تضمُ أحزاباً وقوى سياسية سورية في منطقة ثريّة بتنوعها العرقي، والديني، والثقافي، وتنعمَّ بالأمنِ والاستقرارِ النسبي؛ من شأنها تعزيزٌ ثقافة العيش المشترك ، وحماية السلم الأهلي والاجتماعي، وتوفير مزيداً من فرص الاستقرار للمجتمعات المحلية في الجغرافية التي تنشطُ فيها ميدانياً.
ومن الاجحاف النظر إلى هذه التحالفات من الزاوية”المناطقية”، أو كما يصفها البعض على أنها تُكرّسُ من واقع التقسيم والشرخ بين الشعوب السورية المتنوعة عرقياً ودينياً وثقافياً. بعكس ذلك تماماً، بات الشعب السوري، بأمس الحاجة إلى إعادة الثقة واللحمة الوطنية الحقيقية بين جميع مكوناته، بعد أن مزقّها نظام البعث، وشوَّه صورتها على مدار عقود من الزمن . ومن هنا لا يمكن لهذه الثقة أن تعود بين السوريين بغض النظر عن ماهية مناطقهم الجغرافية، أو السلطة التي تحكمهم إدارياً، مالم يتمَّ الاعتراف المتبادل والصريح بهوية وقضايا جميع الشركاء في الوطن دون تمييز وعلى نفس قدر من الأهمية. ولابدّ من العزوف عن ذلك الموروث الثقافي الأمني؛ الذي زُرع في عقول أجيال ٍمن السوريين: على أن تكون الدولة السورية وهويتها حكراً على القومية عربية، أو على دين أو مذهب معين. ان الشعوب السورية ،واكثر من أي وقت مضى، باتت بحاجة إلى ثقافة القبول الطوعي بحقوق بعضهم البعض في العيش الكريم في المناطق التي تعيش فيها ، وتعترف عن قناعةً وطواعية بجميع الحقوق القومية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لبعضهم البعض ، لطالما لن ينفي وجودهم ، ولا يشرعن لخلق النزاعات ، أو يشرعن لحالة اللااستقرار . من دون هذا المشهد، والتأسيس لثقافة ” النضال السياسي المشترك والدفاع عن الحقوق و القضايا المصيرية برؤية مشتركة” لن تعود تلك اللوحة السورية إلى رونقها الجميل المعبّر عن حقيقة التنوع والفسيفساء السوري الحضاري .
ومن هنا، يعتبر الإعلان قبل أيام عن ” جبهة السلام والحرية” في مدينة قامشلو / قامشلي/ زالين / كإطار سياسي يجمع بين الشعوب الأصيلة وبعض مكوناتها الثقافية والمجتمعية في منطقة الجزيرة السورية ؛ من خلال تبنيها لرؤية سياسية واضحة ترتكز على الموقف المشترك من القضايا الأساسية المصيرية لشعوب المنطقة ومكوناتها السياسية و الثقافية، والتزام العمل بتحقيقها ، والدفاع عنها مجتمعة في المحافل الإقليمية والدولية، بما لا يتعارض مع مسار العملية السياسية الشاملة في سوريا وفق مسار جنيف وقرار مجلس الأمن 2254 ، لهو عملٌ وموقفٌ وطني سوري مشرّف، يصبُّ في مصلحة كل السوريين ، وليس أبناء المنطقة وحدهم ، وتشكل الجبهة المعلنة إضافة بالغة الأهمية إلى الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية السورية ، والتي من شأنها ترسيخ روابط الأخوة التاريخية، وقيم الشراكة بين كافة مكونات المجتمع السوري ، وتسهم في الدفع نحو حل سياسي شامل للازمة السورية ، وتنهي من معاناة شعبها بالتكامل مع جهود كل القوى السياسية السورية الوطنية الديمقراطية المعارضة والمؤمنة بالحوار السياسي البنّاء ، والساعية إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية لا مركزية ، تليق بحجم التضحيات التي قدمها الشعب السوري من أجل الحرية والعدالة والكرامة .
وفي الختام، إذا كانت التدخلات الخارجية ، الدولية والإقليمية في سوريا من أجل حماية مصالحها الاستراتيجية بفرض مناطق للنفوذ والسيطرة العسكرية ، فإن تأسيس إطار سياسي في ظل هذا الواقع والمرحلة يجمع بين مكونات المنطقة الجغرافية الواحدة ؛ يشكل مرآةٍ تعكس حقيقية التركيب الحضاري لأبناء الدولة السورية الراغبين في العيش بسلام في مناطقهم بعيداً عن أطماع ونزوات الحكّام التواقين إلى العبث بأمن واستقرار ومستقبل أبناء المنطقة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*