عفرين بوصفها مرآة حالنا

4

عمر قدور

قبل ثلاثة أشهر، على رغم التهديدات التركية المتصاعدة، لم يكن أشد التوقعات تشاؤماً ليذهب إلى توقع اجتياح منطقة عفرين. الأمر لا يتعلق بالشهية التركية والقدرة على جعلها موضع التنفيذ ميدانياً، وإنما كان يتعلق في المقام الأول بغموض الموقفين الأميركي والروسي، وقدرة كل من واشنطن وموسكو على عرقلة النيات التركية، ولم يكن متوقعاً تخليهما معاً عن ميليشيات الوحدات الكردية.

 

هذا يصلح في ما يخص مراقبي الوضع عن بعد، وينبغي أن يكون أقلّ صلاحية للجهة المعنية به، أي وحدات الحماية. فالأخيرة يُفترض أنها على تواصل مستمر مع الحليف الأميركي شرق الفرات والحليف الروسي غربه، ويُفترض بها أن تستبطن نياتهما، بخاصة بعد الخذلان الذي تعرض له إقليم كردستان العراق لمناسبة الاستفتاء على الاستقلال.

 

المسألة هنا ليست في أحقية التصدي للاحتلال، وإنما في كيفية إدارة المعركة. فوحدات الحماية خاضتها بمنطق الحروب التقليدية، وهذه تؤدي غالباً إلى سقوط سريع بعد استنفاد القوة الأضعف رصيدَها في الدفاع عن خط المواجهة. الإعلام الحربي للوحدات كان إلى وقت قريب يتحدث عن انتصارات، مع إنكار أو تجاهل التقدم التركي في العديد من المحاور. الإعلام نفسه كان مصرّاً في كل مرة يذكر فيها العدوان التركي على الإشارة إلى حلفائه السوريين واصفاً إياهم بمقاتلي داعش والنصرة، إشارة تحاول كسب المعركة لدى الإعلام الغربي، إلا أن هذا أقرب إلى السذاجة لا لكذب الإعلام أو صدقه ولكن لعدم فاعليته بالمقارنة مع المصالح الدولية التي اقتضت إطلاق يد أنقرة، ويقتضي الإنصاف القول بصعوبة لعب مثل هذه اللعبة مع أساتذة في استثمار وجودها.

 

لمنطقة عفرين تضاريس جبلية محاذية لتركيا تخدم المدافعين عنها، ومشكلة وحدات الحماية في سيطرتها على مناطق تفوق بحجمها قدراتها البشرية. قسم من هذا الانتشار مردّه القتال تحت مظلة التحالف الدولي ضد «داعش»، وقسم منه أتى من محاولة الوحدات السيطرة على الشمال السوري بأكمله، ومن المعلوم أنها تسيطر على مناطق شاسعة ذات أغلبية عربية، وهذا يساعد على تشتيت قواها وإضعافها في معاقلها الرئيسية.

 

المفارقة أن المعقل الرئيسي للوحدات يخضع الآن للاحتلال بينما يُنظر إليها في المناطق العربية التي تسيطر عليها بوصفها قوة احتلال، هذا يصحّ أيضاً على الفصائل السورية التي تشارك في احتلال عفرين، فالبعض منها يحركه الثأر لمناطقه التي يراها تحت الاحتلال الكردي، والبعض الآخر يحركه الثأر بسبب تحالف وحدات الحماية مع تنظيم الأسد أثناء حصار الأحياء الشرقية في حلب، وبالطبع لا يمكن تجاهل من يرى في الوحدات حركة انفصالية أو تجاهل من يتبعون أيديولوجياً لأردوغان.

 

في المحصلة، ستبدو اللوحة قاتمة جداً مع نجاح القوى الخارجية في الاستثمار وتحويل أولئك الذين تعرضوا لظلم جديد أو قديم إلى قوة احتلال. لا معنى في الظرف الحالي لأي شعار يردده أي طرف حول سوريّة الأراضي وأحقيته في الوجود عليها، ما دام هذا الوجود لا يحظى بقبول محلي تتوفر فيه شروط الإرادة الحرة للأهالي.

 

من المؤكد أن أحقاداً جديدة ستتراكم فوق القديمة، ومن المؤكد أن مظلومية الخاسرين ستجد بعض العزاء بإلقاء اللوم على الآخر كلياً وتبرئة الذات كلياً، ذلك مسار بات نموذجياً. ومن النموذجي أيضاً تكرار الأخطاء ذاتها لدى جميع الأطراف، وكأن من يعيد أخطاء غيره يرى الخطأ بالفاعل لا بالفعل نفسه.

 

لدينا سجل حافل من انتقاد تجربة فصائل المعارضة «العربية» لدى سيطرتها على ما يعرف بالمناطق المحررة. في المقابل لا نملك سجلاً مماثلاً من مثقفين أكراد، تبرع قسم كبير منهم بالترويج لسلطة الأمر الواقع الكردية، وعند اللزوم بإنكار أخطائها.

 

المؤسف اليوم أن هؤلاء ينبرون فوراً إلى استدعاء المظلومية التاريخية الكردية والخذلان الذي يتعرض له الأكراد وكأنه قدر، ولا نجد جهداً أقل من ذلك لنقد تجربة السلطة الكردية. وإذا نحينا جانباً أرجحية وحدات الحماية بالمقارنة مع الفصائل الإسلامية، سنجد جذراً مشتركاً لممارسة السلطة، فالوحدات بدأت بإسكات جميع الأصوات المناهضة للأسد، وفي حالات معروفة وموثقة أطلقت الرصاص على المتظاهرين وتسبب بمقتل بعضهم، وهي إلى الآن وفي عفرين نفسها تعتقل خصوماً سياسيين لا تُعرف مصائرهم.

 

هي أيضاً أكثر مما فعل أي فصيل آخر فرضت التجنيد القسري، بما في ذلك التجنيد القسري لمن يُعتبرون في سن الطفولة، وبعض أولئك الأطفال قُتل أخيراً أثناء مقاومة الهجوم التركي، ولم تسلم الفتيات والقاصرات منهن من التجنيد القسري بما يخالف تلك الصورة المروَّجة عن المقاتلات الكرديات. ومثل غيرها تموّلت وحدات الحماية من فرض الأتاوات على السكان اعتباطياً، أو على نحو لا يخلو من التمييز إزاء المكونات الأخرى الواقعة تحت سيطرتها، وفرضت منهاجها الحزبي على التعليم، فضلاً عن فرض التعليم باللغة الكردية على مدارس لا وجود لأكراد فيها.

 

هناك الكثير من الانتهاكات في جعبة وحدات الحماية، وسرد جزء منها لا يهدف إلى شيطنتها كما قد يحلو فهمه لأنصارها، إذ على المستوى الكلي كان من مصلحة السوريين لو قدّمتْ نموذجاً أفضل، أو قدّمت خياراً ثالثاً حقيقياً بالمقارنة مع وحشية تنظيم الأسد وخطايا قسم كبير من فصائل المعارضة، على الأقل لأن الوحدات هي القوة الأفضل تنظيماً ولا يمكن إنكار شعبيتها في الوسط الكردي.

 

لقد لعبت وحدات الحماية على خيار ثالث مختلف، هو التكسب السريع من الصراع السوري ومن التناقضات الخارجية، وقد حققت انتصارات سهلة أولها تسلم مناطق من الأسد بلا قتال، وثانيها السيطرة تحت مظلة التحالف الدولي على مناطق كانت في حوزة «داعش». غير أنها ليست في الموقع الذي يتيح لها مقارعة الكبار الذين يقتسمون الساحة، ولا يرون في القوى المحلية سوى أدوات لتنفيذ مشاريعها، وليس هناك من دلالة أمضى من التخلي الأميركي عن عفرين ما دامت الأخيرة خارج حسابات واشنطن. ذلك ما حدث في الغوطة، وما حدث في أكثر من منطقة تمت التضحية بها ضمن منطق تقاسم النفوذ الإقليمي أو الدولي.

 

تصلح عفرين لتكون مرآة للحال الذي وصل إليه طرفا القتال السوريان فيها، وغالب الظن أنهما لن يتوقفا أمام المرآة للتفكر قليلاً، فتحطيمها يبدو خياراً أسهل.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.