اللجنة الدستورية بين فكّي الأسد وروسيا

سميرة المسالمة – الحياة

تضع موسكو اللجنة الدستورية المفترضة أمام اختبار جديد لدرجة مرونتها أو ليونتها، فهي تفترض موافقتها على شروط تتضمن ترؤس وفد النظام لها، وحصوله على الأكثرية المطلقة مسبقاً، بواقع ثلثي عدد أعضائها، ما يعني تحويل اللجنة إلى ملحق «مقونن» للجان مجلس الشعب السوري، تتعاطى مع التغييرات المطلوبة من منظور مصلحة النظام في تعويم مواد دستور 2012، وضمن محددات تصريحات مسؤولي الأسد عن تعديلات غير جوهرية لبعض مواد الدستور، من دون المساس بما يتعلق بمكتسبات الرئاسة، أو تحديد ملامح المرشحين لها، لتبقى محصورة ضمن مجال خيار الأسد الوحيد.

 

وضمن جهود إحكام الطوق على المعارضة السورية داخل أروقة الأمم المتحدة لتمييع مسار جنيف، وإلحاق أكبر عدد من المسارات المخترقة به، من آستانة إلى سوتشي1، يأتي الحديث عن التحضير لمؤتمر سوتشي2 تحت مضامين مسار آستانة، لتتويج المرحلة الأخيرة منه بعد استرجاع كامل المنافذ التي خرجت من يد النظام خلال سنوات حربه على المعارضة، جنوباً وشمالاً، وإعادة إحياء الطرق الرئيسة للنظام، دمشق عمان- حلب اللاذقية، وحلب حماه دمشق، ما يعني خروج «الفصائل المعارضة» من المشهد العسكري، وحتى السياسي، وإلحاقها بالدول التي تستظل بها، سواء روسيا أو تركيا، أو ضمن خيار القبول بمراسيم «عفو الأسد».

 

واعتبر النظام أن إهدار فرصة استرجاعه لإدلب عبر عملية عسكرية كان سببه التعاطي الإيجابي لتركيا مع الشروط الروسية، تجنباً للدخول في معركة محسومة النتائج، في ظل عدم قدرة تركيا على تزويد الفصائل -المحسوبة عليها مرجعياً- بما يضمن لها هزيمة طيران روسيا من جهة، والدور الكبير الذي لعبته إدارة ترامب مع قـــوى أوروبية عديدة في التلويح برد عسكري على النظام السوري من جهة ثانية، وهي مفتاح التهدئة الحذرة الحالية، ما يعني تجنب كارثة إنسانية جديدة مقابل تنازلات تركية تدريجية ومرحلية، تبدأ من منطقة عازلة منزوعة السلاح، وهو ما أعلنت عنه يوم الأربعاء الماضي بأنه تم وفقاً لما هو مطلوب في اتفاق سوتشي (17 أيلول/ سبتمبر)، الذي جمع بين الرئيسين بوتين وأردوغان، وخروج المقاتلين المتطرفين، وتمر بمرحلة عودة النظام إلى الهيمنة على المعابر الرئيسة والطرقات الدولية وفقاً لبنود ذات الاتفاق.

 

ما يعني نظرياً أن الطريق سالك لمتابعة المسار السياسي الذي اختصرته موسكو إلى لجنة دستورية، تشكل فيها المعارضة نسبة الثلث، متساوية مع النظام، لتشكل ما يسمى منظمات المجتمع المدني والفعاليات المستقلة الثلث الأخير من اللجنة الدستورية المتفق عليها، والتي أسس لها بيان جنيف 1 وقرارات الأمم المتحدة وآخرها القرار 2254، ثم اختطفها مؤتمر سوتشي (30 كانون الثاني/ يناير) كمنجز خاص به، وقبلت الأمم المتحدة بتبنيه والتعاطي معه وفق آليات ونسب محددة، تشير الوقائع إلى أنها باتت تمثل عقبة في وجه الطموح الروسي والنظام السوري على حد سواء ولكل منهما أسبابه:

 

– فروسيا تتعامل مع المجتمع الدولي في القضية السورية تعاملها مع الصفقات التجارية، فهي ضمن المعطيات الحالية تعد الخاسر الأكبر، فيما إذا استطاعت الأمم المتحدة تشكيل اللجنة الدستورية بعيداً عن قبضة موسكو، ما يعني خروج الورقة الأخيرة من يدها قبل أن تعقد تفاهماتها أو صفقاتها مع كل من الولايات المتحدة الأميركية، والدول الأوربية، حول ملفاتها العالقة معهما، من أوكرانيا إلى الدرع الصاروخية، إلى ملف الطاقة ووصولاً إلى استعادة دور روسيا كقطب مقابل للولايات المتحدة، ورفع العقوبات التكنولوجية عنها.

 

أي أن موسكو التي تحملت أعباء دخولها الحرب في سورية، وكسب نظامها المزيد من عداء الداخل الروسي له، نتيجة الخسائر المتتالية في أرواح قواته، وتذبذبات اقتصاد روسيا مع تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعقوباته عليها، حتى اليوم، بقيت خارج معادلة الأرباح على رغم موافقتها على تحييد الدور الإيراني في سورية، والتزامها الصمت على الضربات الإسرائيلية للمواقع الإيرانية، ما يعني أنها لم تجن ثمار استثمارها في الحفاظ على الأسد ونظامه، حيث هو مفتاح عقودها المستقبلية، ما يستوجب تأجيل الدخول في مسار الحل السياسي وبالتالي تعطيل إتمام تشكيل اللجنة الدستورية، إلى حين عقد تلك التفاهمات التي تراهن عليها.

 

– النظام السوري، من جهته، يرى أن الحل السياسي المبني على قرارات الأمم المتحدة يشكل انتهاكاً «لسيادته»، وهو يرى أن التعديلات المقترحة على الدستور يجب أن تكون في إطار الوسائل الناظمة لها، أي عبر لجان مجلس الشعب، ما يعني أن أي تعديلات مفترضة ستمر عبر المصافي الخاصة به، فهو على رغم خضوعه لقرار روسيا بتشكيل وفده إلى اللجنة الدستورية، إلا أنه لا يزال يتمسك بنسبة تحقق له فاعلية القرار داخلها، وبذلك يمكنه استصدار نص تشريعي من خلال مجلس الشعب، يحول اللجنة الدستورية الأممية إلى مجرد لجنة له تضم خبراء من المعارضة السورية، لا نظراء لوفده.

 

في المحصلة، فإنه على رغم اختلاف السبب الذي يجمع بين روسيا والنظام في عرقلة إتمام مرحلة تشكيل اللجنة الدستورية، إلا أن نتيجة هذا التعطيل هي في مصلحة الطرفين بالتساوي في هذا الوقت، حـــيث موسكـــو في مرحلة توتر علاقاتها دولياً، والنظام يستـــشعر أخطار الصفقات الدولية على وجوده، مع الحصار الخانق على الداعم الرئيسي له (إيران)، ما يجعل من الطلبات الروسية حول نسبة النظام في اللجنة الدستورية وتولي رئاستها هي مجرد حجج، تمنح موسكو بعض الوقت لإدارة صفقاتها الدولية في ظل التلويح بالعودة لتأزيم ملف إدلب من جديد.

 

كما أن إنجاز اللجنة الدستورية في الشكل «الأممي» ووفق المراحل التي يحددها بيان جنيف 1 والقرار 2254 من شأنه أن يقلب الطاولة على شركاء آستانة، أو يمهد لإحداث الشرخ الكبير بينهم، بمعنى أن أي حل ينجز بموافقة موسكو يعني ضمنياً أن روسيا عقدت صفقاتها المطلوبة دولياً، وهي على حساب النظام السوري وإيران ككتلة واحدة، أو كفريقين منفصلين، بمعنى تنفيذ المطالب الأميركية الخاصة بإخراج إيران من المنطقة، وإحداث تغييرات جوهرية في شكل الحكم في سورية ونظامه، وهذا على حساب الأسد ونظامه، وهو أيضاً على حساب تركيا إذا لم يأخذ بمخاوفها بما يتعلق بوجود الكرد على حدودها.

 

ما يعني أن واقع الحال يفيد أن جملة من الظروف غير المناسبة لدول الصراع على سورية تحبط آمال المضي بحل سياسي سوري- سوري، لنزاع مسلح دولي- دولي، يستخدم السوريين كوسائل توضيح لحجم قدراته التدميرية ومزاداته التجارية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*