القضية الكردية والحل السوري  

4

القضية الكردية والحل السوري

تجلّت القضية الوطنية لدى أبناء الشعب السوري عبر مطالبته المستمرة لإيجاد حلول لمعاناته في مواجهة الفساد المستشري في جميع مفاصل الدولة ، وغياب حالة المساواة والعدالة واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي قيّدت من قبل الأجهزة الأمنية القمعية للنظام ، والتي لاتزال تكم أفواه أصحاب الرأي وتحارب قوى الإصلاح والديمقراطية ، إلى جانب عدم اعترافها بالتعددية القومية والثقافية التي تعبر عن الهوية الوطنية الحقيقية لسوريا عندما تعمّد استهداف الشعب الكردي في وجوده بتطبيق العديد من المشاريع العنصرية والاستثنائية بحقه.

عندما بدأت الثورة السورية السلمية وعمت مختلف مناطق البلاد ، وجد الشعب الكردي نفسه جزءا من هذه الثورة ، وبدأ فيها مشاركاً بفعالية مع باقي المواطنين مطالباً بإنهاء نظام الاستبداد والديكتاتورية ، وإيجاد حل عادل لقضيته في إطار سوريا ديمقراطية لامركزية اتحادية ، والغاء المشاريع التمييزية المطبقة بحقه . واطلقت الحركة الوطنية الكردية في الاشهر الاولى من الثورة ، مبادرة من أجل حل سياسي للوضع القائم ، لكن النظام استمر في نهجه الأمني والعسكري بحق المتظاهرين دون ان يكترث لمطالبهم المشروعة. وعلى الرغم من تأكيد الحركة الكردية على أن حل القضية الكردية مرهون بإشاعة الحريات العامة والحياة الديمقراطية في البلاد ، وتحقيق شراكة حقيقية بين جميع مكوناته في إدارة البلاد من خلال الاعتراف الدستوري بهوية الشعوب المكونة للدولة السورية بحدودها الجغرافية وكيانها السياسي الحالي ، فإن بعض قوى المعارضة شككت في هذه المطالب المحقّة ، واعتبرتها تعجيزية خارج السيّاق الوطني ، بينما بقيّ النظام مستمراً في سياساته الشوفينية تجاه الكرد ، ولجأ لمناورات عديدة كي تتخلى الحركة الكردية عن موقعها الطبيعي في صفوف المعارضة الوطنية السورية ، لكن جميع محاولاته باءت بالفشل حتى الآن.

إن التطورات التي حصلت في البلاد بعد مرور إحدى عشرة سنة من إنطلاقة الثورة السورية ، مع استمرار النظام بخياره الامني والعسكري ، وانحراف الثورة عن مسارها السلمي وانحسارها في الخيار العسكري ، إلى جانب زيادة وتشابك تدخلات القوى الإقليمية والدولية في الشان السوري التي رهنت القضية السورية بمصالحها وتوافقاتها ، يتطلب من قوى المعارضة السورية استيعاب هذه الحقيقة ومواجهتها من خلال إعادة النظر في خطابها السياسي على الصعيدين الوطني والخارجي بما يتلاءم مع السياسة الدولية وطبيعة الصراعات الناشئة بين هذه الدول في الآونة الأخيرة، وأن تولي الاهتمام اللازم في معالجة مختلف القضايا الخلافية بروح وطنية صادقة بعيدة عن تأثير أجندات المال السياسي ومصالح بعض القوى الخارجية ، ومنها وبشكل خاص القضية الكردية ، باعتبارها إحدى مرتكزات النضال الديمقراطي السلمي ، و لكونها تعبّر عن حقوق وتطلعات ثاني أكبر قومية تعداداً في البلاد، عدا أن الكرد ليسوا حالة سياسية طارئة ، بل شعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية ضمن حدود الدولة السورية الراهنة ، تتحقق أهدافه عندما تسود البلاد الحرية والعدالة والديمقراطية المرتكزة على نظام ديمقراطي اتحادي …

لقد ناضل الشعب الكردي وحركته السياسية سلمياً طوال عقود من أجل الديمقراطية، وحقوق الانسان، والاعتراف الدستوري بوجوده وهويته القومية في إطار وحدة البلاد ، وسعى لإقامة أفضل العلاقات الأخوية الوطنية مع باقي القوى السورية الوطنية ، ولا يزال مستمراً في هذا المنحى والانفتاح ، وهو اليوم يشكل قوة مهمّة من أجل الدفع نحو الحل السياسي الشامل للأزمة السورية عبر مسار جنيف والقرار الاممي2254 وذلك لأسباب موضوعية وذاتية من اهمها ، تواجد قوات التحالف الدولي لمواجهة داعش في مناطقه التي ربطت بقاءها في المنطقة بالقضاء على تنظيم داعش الإرهابي ، وإعادة الأمن والاستقرار لسوريا ، و إنجاز الحل السياسي وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة.

ليس من المجدي بعد كل هذه السنوات من النضال الوطني الديمقراطي السلمي ، والمعاناة التي تعرض له الشعب السوري بجميع مكوناته على يد النظام الدكتاتوري ، وحجم الدمار الذي لحق بالبلاد في جميع النواحي، النظر إلى الشعب الكردي وحركته السياسية من منظور قومي استعلائي عنصري إقصائي ، وربط قضيته الوطنية وحقوقه المشروعة باجندات ومشاريع طارئة لقوى خارجية ، في حين يستوجب اعتباره احد المكونات الاساسية للشعب السوري، ولابد من العمل الوطني المشترك لينال حقوقه في سوريا المستقبل ، ومن الصعب أن لم يكن من المستحيل تحقيق العدالة الانتقالية ، وإشاعة الديمقراطية ، وبناء أسس لدولة سورية عصرية بدستورها وقوانينها ، مالم يكن للشعب الكردي مشاركة حقيقية في ذلك ، والعمل معه على أرضية أن الوطن لجميع أبنائه المتساوون في الحقوق والواجبات .

وما المواقف التي تصدر من بعض القوى السورية المعارضة تجاه المسألة الكردية واعتبارها حالة تكرس الإنقسام والانفصالية ، إلا تفاقم من الوضع القائم ، ولا تساهم قطعاً في الحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة التي ينشده الشعب السوري الثائر من أجل الحرية والعدالة والديمقراطية والكرامة .

Leave A Reply

Your email address will not be published.